خليل الصفدي

352

أعيان العصر وأعوان النصر

سنة إحدى وستين ، أو سنة ستين وسبعمائة ، ورد خبر موته من بغداد . كان هذا نظام الدين قد وصل من بغداد مع الوزير نجم الدين بن شروين ، وناصر الدين خليفة حكى لي من لفظه ، قال : دخلنا مصر ، واستقر نجم الدين بن شروين أمير مائة مقدّم ألف ، وناصر الدين خليفة طلبه الأمير سيف الدين تنكز من السلطان ، فسيّره إليه ، وأعطاه إمرة طبلخاناة في دمشق ، وبقيت أنا عند الأمير سيف الدين قوصون ، إذ طلبني يقول لي : يا شيخ نظام الدين قول لنا ذلك البيشورة ، قول لنا ذلك القول ، قول لنا ذلك الساذج الذي لحنته أنت ، فقلت أنا في نفسي : متى فترت يا يحيى أداروك هؤلاء مغنيا لا غير ، فطلبت من السلطان العود إلى دمشق ، فجهزني إليها . ولما ورد من باب السلطان أعطاه الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - مشيخة الربوة ، فأقام بها مدة ، يسمع أولاده الحديث ، ويقرأ بنفسه على الأشياخ ، إلى أن طلب العود إلى بغداد ؛ لأجل أملاكه ، وكان أولا يكتب الإنشاء عن حكّام بغداد ، ولما عاد إليها استمر كذلك ، وكانت الكتب ترد عن حكام بغداد إلى ديوان الإنشاء بخطه . وكان والده النور حكيما ، يطبّ ملوك المغل وغيرهم ، وكان نظام الدين يكتب المنسوب ، ويضع الكوفي والمعقلي من أحسن ما يكون وأجوده ، ووضع أشياء بخطه في بيت القاضي شهاب الدين يحيى بن القيسراني ، وهي في غاية الإتقان ، وأراني درجا قد كتب فيه منازل الحج من بغداد إلى مكة ، وصوّر ذلك ، وشجّره في خرقة كتّان ، وهو من أحسن الأوضاع في التحرير والإتقان . وكان أستاذا في علم الموسيقى ، له فيه أقوال وأعمال ، ينقلها عنه أرباب هذا الفن في الشام ومصر ، وكان إذا خلا بمن أحبّ من الأكابر اندفع ، وغنى من غير آلة أشياء غريبة ، سمعته غير مرة ، وكان ينظم أيضا . نقلت من خط الشيخ الإمام العلامة صلاح الدين العلائي قال : نقلت من خط نظام الدين المذكور قوله : ( الوافر ) أيّها المالك الّذي زيّن المل * ك بفضل يسمو على الوزراء وبجود قد أخجل المزن منه * وبعلم يربي على العلماء ما اسم شيء مناسب الأجزاء * مستطيل إذا سعى في فناء مستدير لكونه فلكا في * ه نجوم طوال في سماء عمّ حينا مشارق الأرض والغر * ب وطاف الدّنيا بالاستيلاء منزّل غير أنّه ليس قرآ * نا وآياته بلا إحصاء